أحمد بن محمد مسكويه الرازي

48

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

قراءة الكتب « 1 » والنظر فيها لتزداد بصيرة وانتفاعا به . وليس شئ أسرّ لأهل العلم ولا أشد جذلا من العمل بالخير والإفشاء له جدا « 2 » والاستكثار منه والازدياد فيه . وهم أقل الناس حزنا بحسن عزائهم عما فاتهم . وأحسن الناس تسليما لما ينزل بهم « 3 » من اللّه عز وجل ، فليس للعالم فراغ لغير طلب العلم « 4 » والخير . وساعة فراغه أن يقدر على الخير ثم لا يفعله . وذلك غبن في رأيه ، وزلل في حكمه وعقله . وفراغ العالم إنما يكون في إجمام نفسه إذا كل خاطره وضاق ذرعه بالفكر في استخراج دفائن الحكمة ؛ فحينئذ يروّح قلبه حتى يعود نشاطه ويجتمع رأيه ويصفو فكره . شر الزمان زمان يخفى فيه العالم علمه خوفا من الجهال وإشفاقا من أن يعاب عليه . إعلم أن أحق من أكرمت [ 22 ا ] وقربت ، أيها الملك ، من وعظك وقوّم أدبك . فأكرم العلماء ، وصلهم ، واستمع آدابهم ، واحفظ مواعظهم ، واحذر من تشبه بالعلماء وليس منهم ، فان هؤلاء هم الأكثرون ، فأبعدهم وتوقّ حديثهم وما يحامون عليه من رياستهم المزورة . ولا تتبع الهوى ، ولا تتعد « 5 » الحق ، ولا تغتنم الراحة ، ولا تسكن إلى التوانى ، ولا تستحى من « 6 » استفادة العلم والتعلم ، ولا تغتر بدنيا أصبتها ، ولا تندم على عرف صنعته ، ولا تمل دراسة الكتب فان طول « 7 » دراستها إنما هو تصفح عقول العالمين والعلم بأخلاق ذوى الحكمة الماضين والنبيين وجميع الأمم وأهل الملل . إلا أن أكثر ما رسموه ودونوه فروع لم يبينوا أصولها وعللها ، ولم يكشفوا عن أسبابها ، وهي أمور محمودة إلا أنها كثيرة لا يضبطها حفظ ولا يحيط بمعرفة جميعها علم . وقد تعاطى الحكماء أصول هذه الفروع فدلوا على أسبابها وعللها ، وحصروا الجزئيات في كلياتها . ومن أحكم تلك الأصول استخرج دفائن الصواب من كل مطلوب ، واستكشف « 8 » سرائر الحكمة عن كل مستور . ومن فعل ذلك كان عمره طويلا وإن قصرت أيامه .

--> ( 1 ) ف : كتب العلم . ( 2 ) جدا : ناقصة في ط . ( 3 ) ف : من أمر اللّه تعالى . ( 4 ) العلم : ناقصة في ط ، ف . ( 5 ) ط : تنعدى . ( 6 ) ف : معاودة . ( 7 ) ف ، ص : فان دراستها انما هي تصفح . . . ( 8 ) ص : استشف .